الأستاذ / جمال بن شحبل
03-22-08, 10:52 AM 10:52
الخاطرة رقم 2.
رابط الخاطرة السابقة هو:
http://www.kdotaibi.com/vb/showthread.php?t=775
استيقظتُ يوماً كعادتي، فارتَديتُ ملابِسِي وخرجتُ لصلاة الفجْر،
كان المسجدُ بعيداً نوعاً ما، لذا أَخذتُ أمشي في شوارعِ مدينتِي الجميلة، ولكني فجأةً ذُهِلتُ وارتعدتُ!!!
يا الله! ما هذا! يا الله!
جُثَثٌ مُلقاةٌ على الطريق! أجسادٌ ممزقة! أطرافٌ مقطّعة! بُيوتٌ تحترِق!
ما هذه الدماءُ التي تسيلُ على الأرض؟ لماذا صوتُ الصراخِ يأتي من كل مكان؟
شعرتُ بالرعبِ، تَسَمَّرْتُ في مكاني،
ثم إني تملَّكتُ نفسي وقرّرتُ متابعةَ المسير، حتى وصلتُ إلى شيخٍ كبيرٍ واقفٍ عندَ بابِ بيتِهِ،
فتقدّمتُ نحوَهُ وسلّمتُ عليه، ثم سألتُهُ:
ما الذي يحدثُ هنا يا عمّاه؟ ما كُلُّ هذه الجُثَثِ المُلقاةُ على الأرض؟
ومَنْ هؤلاء اللِئام الذين يقيدون الشبابَ بالسلاسل؟ وإلى أين سيأخذونهم؟
نَضَرَ إليّ الشيخُ الكبيرُ بحزنٍ وحسرة، وأخذت الدموع تتساقطُ من عينيه، ثم قال:
ألستَ من أهلِ هذه البلاد يا بُنَي؟
قلتُ بلَى.
قال: فعلاما استَغرابُكَ إذَن؟
قُلتُ: لَمْ تكُن بلادي هكذا يا عمّاه.
قال: فكيف إذَن كانت يا بُنَي؟
قلتُ: كانت آمِنةً جميلةً، خضراءَ ندية،
الناسُ فيها سعداء، الخيرُ يأتيها من كل حدبٍ وصوب،
الأذانُ يصدَحُ في الآفاق، الأطفالُ يمرحون ويلعبون في أزِقَّتِها .
قال: متى كان ذلكَ يا بُني؟
قلتُ: في عام 600 ه.
قال والحزنُ قد عَصَفَ بناضِرَيه: اذهب يا بُني، فليس لك عندي جواب.
فانطلقتُ أَركضُ مسرعاً، لا أدري إلى أين ستأخذُني قدماي،
ومَشاهدُ الرعبِ تحاصرني من كل اتجاه، وعويلُ الأيامَى يُخالِجُ مَسامعي في كل لحظة،
وفجأةً سمعتُ صوتاً باكياً يناديني قائلاً:
هل عرفتَني يا جمال؟
قلتُ: لا، مَنْ أنتي؟
قالت: أنا الأرض،
فارتعدتُ من الخوفِ، وقلتُ: وماذا تريدين منّي أيَّتُها الأرض؟
قالت: أريدُ أنْ أشكُوَ لك حالي وما حلَّ بي،
قلتُ: قُولي أيّتُها الأرض:
قالت: لقد كنتُ يوماً ما، عزيزةً حرّةً أبيّةً، فدارت عليَّ الأيّامُ، وذهب كل من كان يرعاني ويحميني،
حتى جاء اليومُ الذي استحلّ حرمتي الأغراب،
فعمَّ أرجائِي الدمارُ والخراب،
فأصبحتُ أصرُخُ مستنجِدةً وما مِنْ مُجيب،
فقد تخلَّى عني الصَّديقُ والحبيب،
فلم يبقَ لي من الذّكرى الجميلةِ غيرُ النحيب،
أرأيتَ المذابحَ يا جمال،
ودموعُ القهرِ تَعصِفُ بالرجال،
أرأيتَ كيفَ يَئِدُون الطفولةَ في مهدِها،
ويَدَعون العجوزَ تَغْرَقُ في حزنِها،
وينتهكون أنوثةَ العذراءِ في خدرِها،
اسْمع إلى المآذنِ كيف تبكي،
وانضُر إلى المدائِنِ كيف تشكي،
اسأل الطفلَ البريءَ لماذا قتلوه،
واسألِ الشابَّ القويَّ لماذا قَيَّدوه،
اسألِ الأقصَى الجريحَ عن ترانيمِ الأذان،
واسأَلِ القُدْسَ العظيمَ عن مُعاناةِ الزَّمان،
أين بَْيسان، أين غزة،
أين طُلْكَرْمُ وحَيفا،
أين مَنْ كانوا مصابيحاً للدُّجا،
أين مَنْ داسُوا على أعناقِ العِدا،
قلتُ: لقد أَدْميْتِي قلبي أيتها الأرض، فرفقاً بحالي،
قالت: فدعني أُكمِلُ باللهِ عليكَ يا جمال،
قلتُ: أكمِلي أيتُها الأرضُ الغالية،
قالت: حبسُوا عني ينابيعَ الحياة، جعلوا أهلي يسيرون حُفاة،
شرَّدوهم، ذَبَّحوهُم، دمَّروهم، زلزلوهم، أحرقوهم، عذَّبوهم،
كُلُّ جُرمٍ يفعلوه، كل قهرٍ يصنعوه،
بالقنابِل، بالمحارِق، بالمَدافِع، بالمَشانِقْ،
قَتلوا أناشيدِي الجميلة، طَمسوا معانيِّ الأصيلة،
شَجَرُ الزيتونِ يَنعِي غُصنَهُ، ورقُ الرمانِ يندُبُ حظَّهُ،
أين أنتم يا رجالَ المُسْلمين،
ما كفاكم قهرُ شعبٍ مُستَكِين،
لا نُريدُ إنكاراً وتشجيبا،
بل نُريدُ إرجاعَ القدسِ السليبا.
قلتُ: يكفي أيتها الأرضُ الطّاهرة، يكفي،
فقد أسَلتي دموعي، وأرعشتي ضلوعي،
واصبِري، ولا تستسلمي، فمصابيحُ الدُّجى قادمُون إليكِ لا محالةَ يوماً ما.
مع تحيات أخوكم المحب لكم جميعاً: جمال بن شحبل الظني.
رابط الخاطرة السابقة هو:
http://www.kdotaibi.com/vb/showthread.php?t=775
استيقظتُ يوماً كعادتي، فارتَديتُ ملابِسِي وخرجتُ لصلاة الفجْر،
كان المسجدُ بعيداً نوعاً ما، لذا أَخذتُ أمشي في شوارعِ مدينتِي الجميلة، ولكني فجأةً ذُهِلتُ وارتعدتُ!!!
يا الله! ما هذا! يا الله!
جُثَثٌ مُلقاةٌ على الطريق! أجسادٌ ممزقة! أطرافٌ مقطّعة! بُيوتٌ تحترِق!
ما هذه الدماءُ التي تسيلُ على الأرض؟ لماذا صوتُ الصراخِ يأتي من كل مكان؟
شعرتُ بالرعبِ، تَسَمَّرْتُ في مكاني،
ثم إني تملَّكتُ نفسي وقرّرتُ متابعةَ المسير، حتى وصلتُ إلى شيخٍ كبيرٍ واقفٍ عندَ بابِ بيتِهِ،
فتقدّمتُ نحوَهُ وسلّمتُ عليه، ثم سألتُهُ:
ما الذي يحدثُ هنا يا عمّاه؟ ما كُلُّ هذه الجُثَثِ المُلقاةُ على الأرض؟
ومَنْ هؤلاء اللِئام الذين يقيدون الشبابَ بالسلاسل؟ وإلى أين سيأخذونهم؟
نَضَرَ إليّ الشيخُ الكبيرُ بحزنٍ وحسرة، وأخذت الدموع تتساقطُ من عينيه، ثم قال:
ألستَ من أهلِ هذه البلاد يا بُنَي؟
قلتُ بلَى.
قال: فعلاما استَغرابُكَ إذَن؟
قُلتُ: لَمْ تكُن بلادي هكذا يا عمّاه.
قال: فكيف إذَن كانت يا بُنَي؟
قلتُ: كانت آمِنةً جميلةً، خضراءَ ندية،
الناسُ فيها سعداء، الخيرُ يأتيها من كل حدبٍ وصوب،
الأذانُ يصدَحُ في الآفاق، الأطفالُ يمرحون ويلعبون في أزِقَّتِها .
قال: متى كان ذلكَ يا بُني؟
قلتُ: في عام 600 ه.
قال والحزنُ قد عَصَفَ بناضِرَيه: اذهب يا بُني، فليس لك عندي جواب.
فانطلقتُ أَركضُ مسرعاً، لا أدري إلى أين ستأخذُني قدماي،
ومَشاهدُ الرعبِ تحاصرني من كل اتجاه، وعويلُ الأيامَى يُخالِجُ مَسامعي في كل لحظة،
وفجأةً سمعتُ صوتاً باكياً يناديني قائلاً:
هل عرفتَني يا جمال؟
قلتُ: لا، مَنْ أنتي؟
قالت: أنا الأرض،
فارتعدتُ من الخوفِ، وقلتُ: وماذا تريدين منّي أيَّتُها الأرض؟
قالت: أريدُ أنْ أشكُوَ لك حالي وما حلَّ بي،
قلتُ: قُولي أيّتُها الأرض:
قالت: لقد كنتُ يوماً ما، عزيزةً حرّةً أبيّةً، فدارت عليَّ الأيّامُ، وذهب كل من كان يرعاني ويحميني،
حتى جاء اليومُ الذي استحلّ حرمتي الأغراب،
فعمَّ أرجائِي الدمارُ والخراب،
فأصبحتُ أصرُخُ مستنجِدةً وما مِنْ مُجيب،
فقد تخلَّى عني الصَّديقُ والحبيب،
فلم يبقَ لي من الذّكرى الجميلةِ غيرُ النحيب،
أرأيتَ المذابحَ يا جمال،
ودموعُ القهرِ تَعصِفُ بالرجال،
أرأيتَ كيفَ يَئِدُون الطفولةَ في مهدِها،
ويَدَعون العجوزَ تَغْرَقُ في حزنِها،
وينتهكون أنوثةَ العذراءِ في خدرِها،
اسْمع إلى المآذنِ كيف تبكي،
وانضُر إلى المدائِنِ كيف تشكي،
اسأل الطفلَ البريءَ لماذا قتلوه،
واسألِ الشابَّ القويَّ لماذا قَيَّدوه،
اسألِ الأقصَى الجريحَ عن ترانيمِ الأذان،
واسأَلِ القُدْسَ العظيمَ عن مُعاناةِ الزَّمان،
أين بَْيسان، أين غزة،
أين طُلْكَرْمُ وحَيفا،
أين مَنْ كانوا مصابيحاً للدُّجا،
أين مَنْ داسُوا على أعناقِ العِدا،
قلتُ: لقد أَدْميْتِي قلبي أيتها الأرض، فرفقاً بحالي،
قالت: فدعني أُكمِلُ باللهِ عليكَ يا جمال،
قلتُ: أكمِلي أيتُها الأرضُ الغالية،
قالت: حبسُوا عني ينابيعَ الحياة، جعلوا أهلي يسيرون حُفاة،
شرَّدوهم، ذَبَّحوهُم، دمَّروهم، زلزلوهم، أحرقوهم، عذَّبوهم،
كُلُّ جُرمٍ يفعلوه، كل قهرٍ يصنعوه،
بالقنابِل، بالمحارِق، بالمَدافِع، بالمَشانِقْ،
قَتلوا أناشيدِي الجميلة، طَمسوا معانيِّ الأصيلة،
شَجَرُ الزيتونِ يَنعِي غُصنَهُ، ورقُ الرمانِ يندُبُ حظَّهُ،
أين أنتم يا رجالَ المُسْلمين،
ما كفاكم قهرُ شعبٍ مُستَكِين،
لا نُريدُ إنكاراً وتشجيبا،
بل نُريدُ إرجاعَ القدسِ السليبا.
قلتُ: يكفي أيتها الأرضُ الطّاهرة، يكفي،
فقد أسَلتي دموعي، وأرعشتي ضلوعي،
واصبِري، ولا تستسلمي، فمصابيحُ الدُّجى قادمُون إليكِ لا محالةَ يوماً ما.
مع تحيات أخوكم المحب لكم جميعاً: جمال بن شحبل الظني.