أبو دحووم
01-27-08, 10:57 AM 10:57
قصة واقعية
حدثت في أحد مستشفيات مدينة الرياض
لقد آلمني شديدآ موقف من المواقف الحزينة التي يمر بها العاملين في المستشفيات،
موقف لايمكن أن يتخيله أحد منا..
موقف جعلني أشعر بالمرارة والأسى لعدة أيام ونغص علي معيشتي ...
في أحد أيام الشتاء الرائعة وفي الصباح الباكر اتجهت إلى عملي وأنا استمتع بذلك الجو الصباحي الممتع، وعبرت داخل المستشفى عبر ذلك الممر الذي يصطف على جانبيه الموت والحياة .. المرض والصحة .. هنا غرف المرضى وغرف النقاهة ..
وعلى اليسار ثلاجة الموتى وبجوارها غرفة الولادة ليست بعيدة من هنا!! الثلاجة قريبة جدآ من هذا الممر!! ولادة ومعاناة ومرض وصحة ... عمليات جراحية ..
فترة نقاهة بعد العملية .. العناية المركزة ..
الموت .. الثلاجة .. وماتحتوية من جثث تنتظر التصريح بالدفن ... ياالله..؟
كيف يغفل الإنسان عن هذه الحقائق ؟ كيف يجهل الإنسان حقيقته وضعفه ثم يطغى ويتجبر ويعصي ربه ؟
كم هم الذين يعانون من الأمراض في هذا المستشفى ؟
آلاف المرضى يدخلون ويخرجون ويعانون .. وكم هم الغافلين خارج هذا المستشفى الذين ألبسهم الله
لباس الصحة فغفلوا عن شكر هذه النعمة وتناسوا فضل الله عليهم ؟ ... وبينما أنا سارح بهذه الأفكار التي أقطع بها هذا الممر الطويل .. فوجئت بصوت يقطع علي حبل أفكاري ...
يادكتور .. يادكتور ..
أرجوك .. أرجوك .. ؟؟
التفت على يميني فإذا بها امرأة شابة محتشمة .. وحولهاطفلين أحدهما في الخامسة من عمره والآخر ثلاث سنوات تقريبآ...
وتناديني بصوت هادئ محتشم
أرجوك.. أرجوك.. افزع لي واسمح لي وأولادي بأن ندخل لنرى زوجي في هذه الغرفة..
فالتفت يساري فإذا باب غرفة العناية المركزة... فقلت لها: الزيارة مفتوحة!
لماذا لم تدخلي؟ قالت: لقد
أخرجني زميلك قبل قليل!!
قلت لها انتظري، فدخلت وسألت زميلي أخصائي العناية المركزة ما الأمر؟
وماهي قصة المرأة الشابة التي بالباب هي وأطفالها ؟ لماذا ...؟ فقاطعني وقال لي:
ياأخي هذه المرأة المسكينة زوجة ذلك الشاب الذي يرقد على سرير رقم(٧)
وهو مصاب بسرطان الرئة،
مدخن منذ إحدى عشر سنة ولديه سرطان منتشر وهو كما ترى على الأجهزة بالصفير والتغيرات فيرتفع ضغط الدم وتتسارع دقات قلبه ويحمر وجهه وأخشى أن يموت بسبب هذه التغيرات...
فذهبت إلى الشاب وتأملته فإذا هو بين الحياة والموت...
والأجهزة تحيط بجسمه من كل جانب!! فتأملت حاله .. وتذكرت حال الكثيرين من المدخنين الذين يكادون يصلون إلى هذه المرحلة الحرجة من آثار التدخين .. قررت أن أساعد زوجته وأطفاله للدخول لأنه في آخر أيامه.. فلا ظير أن اتركهم يرونه ويملئون أعينهم منه...
فقال لي زميلي: بشرط !!
قلت: ماهو؟؟
قال: أن تقف معهم وتخرجهم إذا رأينا في ذلك مصلحة المريض.. !!
*فوافقت .. ناديت الزوجة المسكينة وطفليها .. ورافقتهم
وهالني منظر الزوجة وهي تغالب أنفاسها ونشيجها وبكاؤها ..
ثم منظر الأطفال وهم يبكون علي أبيهم ويقبلونه ويمسك أحدهم ببراءة الأطفال بيد أبيه ويحاول سحبه وهو يقول: هيا يا أبي لنذهب في سيارتنا !!
هيا نذهب إلى البقالة
هيا نذهب للمطعم الفلاني...
هيا نذهب لأمي نورة!!
لنذهب إلى عمتي فلانة..
وهو يبكي ويحاول جاهدآ سحب يد أبيه، ثم الطفل الأكبر وهو يستجدي أبيه أن يرد عليه ويجيبه !!
أبي؟؟ أبي؟؟ رد علي؟
ماذا حل بك ؟ لماذا أنت هنا؟؟
لماذا لاتذهب معنا إلى البيت؟
نريد أن نركب سيارتك ونتمشى؟ لماذا لاتخرج معنا؟
هيا إلى بيتنا !!
تداخلت العبرات والعبرات في سمعي وبصري!!اقشعر بدني!!
لم اعد اسمع جيدآ
سرت في بدني قشعريرة شديدة في جسدي!!
التفت إلى الأم فإذا هي مغرورقة في دموعها وسألتنا وهي تغالب عبرتها ونشيجها:
متى سيخرج يادكتور ؟؟متى؟
نريد نورآ لحياتنا !!
البيت مظلم بدونه!!
لاطعم للحياة بدونه!!
أبناؤنا كأنهم أيتام!!
ثم انفجرت الزوجة باكية!!
وأنفجرت أنا بدوري!!
تحاملت على نفسي
وابتعدت قليلا لكي أخفي دموعي وعبراتي..
شاركتهم بالأسى
وكأنني أحدهم..!!
رأيت أن الأب المسكين يصارع شيئآ ما يحمر وجهه وهو يحاول الرد عليهم!!
تتحرك يديه ببطء ..
ويغالب نفسه فبدأت الأجهزة الطبية تتسارع والخطوط الرقمية تتمايل ..
فهذا جهاز الضغط يزداد حده..
وجهاز النبض يتسارع..
أدركت أنه سيحدث شيئ ما ..
طلبت من تلك الزوجة المسكينة الخروج فلم تسمعني ..
أو أنها أرادت أن لاتسمع!!
حاولت تهدئة الأبناء والتربيت على رؤسهم ولكنني لم أتحسس موقع يدي ...
كدت أن افقد تماسكي ..
فلقد خيل لي أنني مكان الأب..
وهو يغادر هذه الدنيا وأولاده وزوحته كيف هي حسرته!!
وشعوره !!
ليتخيل كل مدخن أنه مكانه!!
ثم تخيلت نفسي مكان الزوجة التي ستفقد زوجها وتترمل وتفقد بريق الحياة !!
ثم الأطفال والذين سيدخلون عالم الأيتاااام !!
ياله من موقف لاينسى !!
تمالكت نفسي وقلت لهم:
لنخرج الآن لأن الطبيب يريد تقديم بعض العلاج له !!
لنخرج ثم تعودون
مرة أخرى لاحقآ ..
كافحت من أجل إخراجهم
وأنا أقول بنفسي من يلومهم ؟
خرجت معهم
وغادرت ذلك الممر ..
وعاش هذا المنظر في
مخيلتي أيامآ عديدة ..
ذقت فيها طعم المرض
وطعم الفراق وطعم المأساة..
لم يغادرني خيال الأطفال
وهم يسحبون
يد أبيهم لإخراجه معهم !
والمرأة وهي تنتحب وتبكي!
والأب وهو يغالب مرضه وتغرورق عيونه بالدمع !!
لن يرسم ذلك رسام
ولن يكتب هذه اللحظات أديب..
لأنها ليست بالسهولة
التي ارويها لكم ..
ولكنها الحقيقة والمعايشة
لأثار هذه السيجارة اللعينة ..
قفوا واعتبروا قبل إن تصيروا مكان هذا الرجل وقبل أن يصير أطفالكم مكان هؤلاء الأطفال الأبرياء !!
وقبل أن تصير زوجتك هذه
الزوجة المسكينة !!
هل تريد هذا لنفسك ؟؟
هل تريد تكرار هذا المنظر؟
\الدكتور/
فهد بن محمد الخضيري
عالم أبحاث-
رئيس وحدة السرطان-
مركز الأبحاث- مستشفى
الملك فيصل التخصصي
حدثت في أحد مستشفيات مدينة الرياض
لقد آلمني شديدآ موقف من المواقف الحزينة التي يمر بها العاملين في المستشفيات،
موقف لايمكن أن يتخيله أحد منا..
موقف جعلني أشعر بالمرارة والأسى لعدة أيام ونغص علي معيشتي ...
في أحد أيام الشتاء الرائعة وفي الصباح الباكر اتجهت إلى عملي وأنا استمتع بذلك الجو الصباحي الممتع، وعبرت داخل المستشفى عبر ذلك الممر الذي يصطف على جانبيه الموت والحياة .. المرض والصحة .. هنا غرف المرضى وغرف النقاهة ..
وعلى اليسار ثلاجة الموتى وبجوارها غرفة الولادة ليست بعيدة من هنا!! الثلاجة قريبة جدآ من هذا الممر!! ولادة ومعاناة ومرض وصحة ... عمليات جراحية ..
فترة نقاهة بعد العملية .. العناية المركزة ..
الموت .. الثلاجة .. وماتحتوية من جثث تنتظر التصريح بالدفن ... ياالله..؟
كيف يغفل الإنسان عن هذه الحقائق ؟ كيف يجهل الإنسان حقيقته وضعفه ثم يطغى ويتجبر ويعصي ربه ؟
كم هم الذين يعانون من الأمراض في هذا المستشفى ؟
آلاف المرضى يدخلون ويخرجون ويعانون .. وكم هم الغافلين خارج هذا المستشفى الذين ألبسهم الله
لباس الصحة فغفلوا عن شكر هذه النعمة وتناسوا فضل الله عليهم ؟ ... وبينما أنا سارح بهذه الأفكار التي أقطع بها هذا الممر الطويل .. فوجئت بصوت يقطع علي حبل أفكاري ...
يادكتور .. يادكتور ..
أرجوك .. أرجوك .. ؟؟
التفت على يميني فإذا بها امرأة شابة محتشمة .. وحولهاطفلين أحدهما في الخامسة من عمره والآخر ثلاث سنوات تقريبآ...
وتناديني بصوت هادئ محتشم
أرجوك.. أرجوك.. افزع لي واسمح لي وأولادي بأن ندخل لنرى زوجي في هذه الغرفة..
فالتفت يساري فإذا باب غرفة العناية المركزة... فقلت لها: الزيارة مفتوحة!
لماذا لم تدخلي؟ قالت: لقد
أخرجني زميلك قبل قليل!!
قلت لها انتظري، فدخلت وسألت زميلي أخصائي العناية المركزة ما الأمر؟
وماهي قصة المرأة الشابة التي بالباب هي وأطفالها ؟ لماذا ...؟ فقاطعني وقال لي:
ياأخي هذه المرأة المسكينة زوجة ذلك الشاب الذي يرقد على سرير رقم(٧)
وهو مصاب بسرطان الرئة،
مدخن منذ إحدى عشر سنة ولديه سرطان منتشر وهو كما ترى على الأجهزة بالصفير والتغيرات فيرتفع ضغط الدم وتتسارع دقات قلبه ويحمر وجهه وأخشى أن يموت بسبب هذه التغيرات...
فذهبت إلى الشاب وتأملته فإذا هو بين الحياة والموت...
والأجهزة تحيط بجسمه من كل جانب!! فتأملت حاله .. وتذكرت حال الكثيرين من المدخنين الذين يكادون يصلون إلى هذه المرحلة الحرجة من آثار التدخين .. قررت أن أساعد زوجته وأطفاله للدخول لأنه في آخر أيامه.. فلا ظير أن اتركهم يرونه ويملئون أعينهم منه...
فقال لي زميلي: بشرط !!
قلت: ماهو؟؟
قال: أن تقف معهم وتخرجهم إذا رأينا في ذلك مصلحة المريض.. !!
*فوافقت .. ناديت الزوجة المسكينة وطفليها .. ورافقتهم
وهالني منظر الزوجة وهي تغالب أنفاسها ونشيجها وبكاؤها ..
ثم منظر الأطفال وهم يبكون علي أبيهم ويقبلونه ويمسك أحدهم ببراءة الأطفال بيد أبيه ويحاول سحبه وهو يقول: هيا يا أبي لنذهب في سيارتنا !!
هيا نذهب إلى البقالة
هيا نذهب للمطعم الفلاني...
هيا نذهب لأمي نورة!!
لنذهب إلى عمتي فلانة..
وهو يبكي ويحاول جاهدآ سحب يد أبيه، ثم الطفل الأكبر وهو يستجدي أبيه أن يرد عليه ويجيبه !!
أبي؟؟ أبي؟؟ رد علي؟
ماذا حل بك ؟ لماذا أنت هنا؟؟
لماذا لاتذهب معنا إلى البيت؟
نريد أن نركب سيارتك ونتمشى؟ لماذا لاتخرج معنا؟
هيا إلى بيتنا !!
تداخلت العبرات والعبرات في سمعي وبصري!!اقشعر بدني!!
لم اعد اسمع جيدآ
سرت في بدني قشعريرة شديدة في جسدي!!
التفت إلى الأم فإذا هي مغرورقة في دموعها وسألتنا وهي تغالب عبرتها ونشيجها:
متى سيخرج يادكتور ؟؟متى؟
نريد نورآ لحياتنا !!
البيت مظلم بدونه!!
لاطعم للحياة بدونه!!
أبناؤنا كأنهم أيتام!!
ثم انفجرت الزوجة باكية!!
وأنفجرت أنا بدوري!!
تحاملت على نفسي
وابتعدت قليلا لكي أخفي دموعي وعبراتي..
شاركتهم بالأسى
وكأنني أحدهم..!!
رأيت أن الأب المسكين يصارع شيئآ ما يحمر وجهه وهو يحاول الرد عليهم!!
تتحرك يديه ببطء ..
ويغالب نفسه فبدأت الأجهزة الطبية تتسارع والخطوط الرقمية تتمايل ..
فهذا جهاز الضغط يزداد حده..
وجهاز النبض يتسارع..
أدركت أنه سيحدث شيئ ما ..
طلبت من تلك الزوجة المسكينة الخروج فلم تسمعني ..
أو أنها أرادت أن لاتسمع!!
حاولت تهدئة الأبناء والتربيت على رؤسهم ولكنني لم أتحسس موقع يدي ...
كدت أن افقد تماسكي ..
فلقد خيل لي أنني مكان الأب..
وهو يغادر هذه الدنيا وأولاده وزوحته كيف هي حسرته!!
وشعوره !!
ليتخيل كل مدخن أنه مكانه!!
ثم تخيلت نفسي مكان الزوجة التي ستفقد زوجها وتترمل وتفقد بريق الحياة !!
ثم الأطفال والذين سيدخلون عالم الأيتاااام !!
ياله من موقف لاينسى !!
تمالكت نفسي وقلت لهم:
لنخرج الآن لأن الطبيب يريد تقديم بعض العلاج له !!
لنخرج ثم تعودون
مرة أخرى لاحقآ ..
كافحت من أجل إخراجهم
وأنا أقول بنفسي من يلومهم ؟
خرجت معهم
وغادرت ذلك الممر ..
وعاش هذا المنظر في
مخيلتي أيامآ عديدة ..
ذقت فيها طعم المرض
وطعم الفراق وطعم المأساة..
لم يغادرني خيال الأطفال
وهم يسحبون
يد أبيهم لإخراجه معهم !
والمرأة وهي تنتحب وتبكي!
والأب وهو يغالب مرضه وتغرورق عيونه بالدمع !!
لن يرسم ذلك رسام
ولن يكتب هذه اللحظات أديب..
لأنها ليست بالسهولة
التي ارويها لكم ..
ولكنها الحقيقة والمعايشة
لأثار هذه السيجارة اللعينة ..
قفوا واعتبروا قبل إن تصيروا مكان هذا الرجل وقبل أن يصير أطفالكم مكان هؤلاء الأطفال الأبرياء !!
وقبل أن تصير زوجتك هذه
الزوجة المسكينة !!
هل تريد هذا لنفسك ؟؟
هل تريد تكرار هذا المنظر؟
\الدكتور/
فهد بن محمد الخضيري
عالم أبحاث-
رئيس وحدة السرطان-
مركز الأبحاث- مستشفى
الملك فيصل التخصصي